الشيخ محمد رشيد رضا
345
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
احتماله ، بأن يكلفكم القيام بشؤون اليتامى وتربيتهم وحفظ أموالهم ، ولا يأذن لكم بمخالطتهم ولا يأكل لقمة واحدة من طعامهم ، ولكنه لسعة رحمته لا يكلف نفسا إلا وسعها ، وما جعل عليكم في الدين من حرج ، ولذلك أباح لكم مخالطة اليتامى على أن تعاملوهم معاملة الاخوة ، ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ، وقد عفا عما جرى العرف على التسامح فيه لعدم استغناء الخاطاء عنه ، ووكل ذلك إلى ذمتكم وأمركم بمراقبته فيه ، وهو الرقيب المهيمن الذي لا يخفى عليه شيء من عملكم ولا من قصدكم ونيتكم . إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فلو شاء إعناتكم لعز على غيره منعه من ذلك ، إذ لا عزة تعلو عزته ، ولكن مضت حكمته بأن تكون شريعته جامعة لمصالح عباده ، جارية على سنن الفطرة المعتدلة التي فطرهم عليها . هكذا جعل الأستاذ لامام ذكر العزيز في هذا المقام لتقرير إمكان تعلق المشيئة بالاعنات ، وذكر الحكيم لتقرير التفضل بعدم تعليق المشيئة به ، وكل من الامرين مفهوم من قوله « وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ » ويحتمل ان يكون ذكر الاسمين الكريمين تقريرا لعزته وحكمته تعالى في المسائل الثلاث في الآيتين - مسئله الخمر والميسر ومسألة الانفاق ومسألة اليتامى - فإنها وردت في الآيات معطوفا آخرها على أولها ، وللّه العزة بمنع الناس بعض الشهوات ، وبتكليفهم الانفاق من فضول أموالهم ، وبتكليفهم تحري الاصلاح للأيتام مع الاذن بمخالطتهم ، ومن حكمته أن منعهم ما يضرهم من ذلك ، وكلفهم ما فيه مصلحتهم ، وأن هداهم إلى وجه منفعة النافع ومضرة الضار الأستاذ الامام : النكتة في وصل السؤال عن اليتامى بالسؤال عن الانفاق والسؤال عن الخمر والميسر انه لما كان ذانك السؤالان مبينين لحال فريقين من الناس في الانفاق وبذل المال ( على ما تقدم ) ناسب ان يذكر بعدهما السؤال عن صنف هو من أحق أصناف الناس بالانفاق عليه وبذل المال في سبيل تربيته وإصلاح شأنه ، وهو صنف اليتامى ، وليس الترغيب بالانفاق عليهم ببعيد من هذه الآية ، وقد تكرر في غير هذه السورة . كأنه سبحانه وتعالى يذكرنا عند الاذن بمخالطة اليتامى والترغيب في الاصلاح لهم ، بأن النفقة عليهم من أموالنا